تظل سلامة العاملين في الخطوط الأمامية واحدة من أكثر القضايا تداولاً في قطاعنا، لكنها في الوقت نفسه من أقل القضايا التي يتم استيعابها بشكل حقيقي. وعلى مدار السنوات، رأيت السلامة تُعرض من زوايا مختلفة: العملاء يحمون سمعتهم، والشركات تفرض حوكمة العقود، والجهات التنظيمية تشدد متطلبات الامتثال. كل ذلك ضروري. ومع ذلك، يبقى الجانب الأكثر أهمية غائباً: قناعة العامل نفسه بضرورة الحفاظ على سلامته.
بالنسبة للعامل في الخطوط الأمامية، غالباً ما يتم اختزال السلامة في قائمة إجراءات—الخوذات، القفازات، إجراءات التشغيل القياسية، وجلسات التوعية. تُعتبر السلامة نوعاً من الانضباط المهني، وليست وسيلة للحفاظ على الحياة. وهنا تبدأ الفجوة.
تؤكد البيانات العالمية هذه الحقيقة المقلقة. فوفقاً لمنظمة العمل الدولية، يفقد ما يقارب 2.9 مليون شخص حياتهم سنوياً بسبب أسباب مرتبطة بالعمل، بينما تحدث أكثر من 374 مليون إصابة غير مميتة في أماكن العمل كل عام. وتشير الدراسات المرتبطة بواقع التشغيل إلى أن 80–90٪ من الحوادث ترتبط بالسلوكيات غير الآمنة أكثر من ارتباطها بالظروف غير الآمنة. والأكثر إثارة للقلق هو معدل الحوادث الوشيكة، حيث يُذكر غالباً أن هناك حادثاً خطيراً واحداً مقابل كل 300 حادث وشيك. هذه ليست مجرد أرقام، بل تحذيرات تم تجاهلها، وإشارات لم يتم الانتباه إليها، وفرص ضائعة.
ومن خلال خبرتي الممتدة لأكثر من عقدين في العمل مع الفرق الميدانية، أدركت أن إخفاقات السلامة نادراً ما تكون نتيجة نقص في البنية التحتية. معدات الحماية الشخصية متوفرة. الإجراءات موثقة. التدريب يتم تنفيذه. ومع ذلك، لا تزال الحوادث تقع. لماذا؟
لأن عنصر المسؤولية والملكية غائب.
العامل في الخطوط الأمامية لا يبدأ يومه وهو ينوي التصرف بطريقة غير آمنة. لكن مع مرور الوقت، تتحول الألفة إلى تهاون. عبارة “لم يحدث شيء بالأمس” تتحول تدريجياً إلى “لن يحدث شيء اليوم”. تصبح الطرق المختصرة مرادفاً للكفاءة. ويتحول الخطر إلى جزء من الروتين اليومي. ومع الوقت، تنتقل السلامة من كونها درعاً شخصياً إلى عبء تنظيمي في نظر العامل.
هذا السلوك المتساهل لا يعكس مجرد جهل، بل يشير إلى فجوة أعمق في فهم تأثير إهمال السلامة.
في كثير من الأحيان، ألاحظ أن الإصابات البسيطة لا يتم الإبلاغ عنها. ما نعتبره “حوادث وشيكة” لا يصل غالباً إلى سجلات التقارير. العاملون والمشرفون لا يقومون بالإبلاغ عنها. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الإصابات الصغيرة إلى مشكلات صحية متكررة. لماذا يتم تجاهلها؟ هناك أسباب متعددة: ضعف الحساسية تجاه الحوادث البسيطة، التردد في استخدام معدات الحماية الشخصية بشكل مستمر، وضعف الرقابة الإشرافية. في البداية، يكون هناك تجاهل صامت. وخلال زيارات المواقع، كثيراً ما أرى موظفين يعانون من عرج بسيط أو كدمات أو غرز نتيجة إصابات طفيفة. وأكثر ما يثير قلقي هو رد الفعل العادي من المشرفين والمديرين تجاه هذه الحوادث.
الحادث ليس مجرد إصابة مؤقتة، بل له آثار أعمق:
- فقدان الدخل وعدم الاستقرار المالي للعائلات
• انخفاض القدرة البدنية وتأثيرها على فرص العمل مستقبلاً
• ضغوط نفسية ناتجة عن الخوف أو الصدمة أو الاعتماد على الآخرين
• آثار اجتماعية تتجاوز حدود مكان العمل
بالنسبة للعامل في الخطوط الأمامية، الإصابة ليست رقماً في تقرير، بل تجربة تغيّر الحياة. ومع ذلك، ما زلنا نتحدث عن السلامة كقواعد، وليس كنتائج وعواقب.
هنا يأتي دور القيادة الحقيقية—القيادة القريبة من الناس، الواقعية، والتي تضع الإنسان أولاً. المطلوب ليس المزيد من السياسات، بل تغيير طريقة التفكير.
علينا أن ننتقل من:
- الامتثال إلى القناعة
• القواعد إلى المسؤولية
• المراقبة إلى تغيير العقلية
يجب إعادة تعريف السلامة على أنها حماية ذاتية، وليست مجرد إشراف.
من خلال تجربتي، فإن أقوى ثقافات السلامة لم تكن في البيئات ذات القوانين الأكثر صرامة، بل في الأماكن التي كان العاملون يؤمنون فيها بأن: “أرتدي معدات الحماية الشخصية ليس لأن أحداً طلب مني ذلك، بل لأنني أريد العودة إلى منزلي بأمان.”
هذا الإيمان لا يأتي من الملصقات أو العقوبات، بل يأتي من التواصل المستمر، وليس التدريب لمرة واحدة؛ من سرد قصص حقيقية عن الحوادث، وليس مجرد مخاطر نظرية؛ من ربط السلامة بالعائلة ومصدر الرزق والكرامة؛ ومن بناء المشرفين كقادة سلامة، وليس فقط كموزعين للمهام.
المشرفون يمثلون واحدة من أقل القوى استثماراً في تغيير ثقافة السلامة. عندما يتحول المشرف من “موزع مهام” إلى “مدير مخاطر”، تصبح السلامة جزءاً من التنفيذ، وليست إضافة لاحقة.
كما أن الطريقة التي نتعامل بها مع الحوادث الوشيكة مهمة للغاية. ففي كثير من المؤسسات، يتم تجاهلها أو عدم الإبلاغ عنها. وهذا خطأ استراتيجي. الحادث الوشيك ليس حدثاً غير مهم؛ بل هو درس مجاني. المؤسسات التي تبني ثقافة الإبلاغ المفتوح والتعلم من هذه الحوادث تخلق بيئة سلامة استباقية بدلاً من بيئة تعتمد على رد الفعل.
يمكن للتكنولوجيا أن تدعم هذا المسار من خلال تحليلات المخاطر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات الإبلاغ الفوري، والصيانة التنبؤية. لكن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع سد الفجوة السلوكية. التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من عقل الإنسان.
السلامة في جوهرها أمر شخصي للغاية. إنها تتعلق بالعامل الذي يتوقف قبل اتخاذ طريق مختصر. وتتعلق بالتحدث رغم الضغوط. وتتعلق بإدراك أن لحظة واحدة من الإهمال قد تمحو سنوات من العمل. كقادة في الصناعة، يجب أن نسأل أنفسنا: هل نبني قوى عاملة ملتزمة فقط، أم قوى عاملة واعية؟ لأن الامتثال يمكن فرضه، أما الوعي فيجب أن يتم إلهامه.
في النهاية، السلامة ليست قسماً داخل المؤسسة. وليست مؤشراً للأداء. وليست بنداً في عقد. إنها قرار يومي يتخذه كل عامل في الخطوط الأمامية، في كل دقيقة. وحتى يصبح هذا القرار عادة تلقائية، ستظل أنظمتنا قوية على الورق، لكنها هشة في التطبيق.
